
________________________________
تحرير: جون بيليس، باتريسيا أوينز، ستيف سميث.
(*) الجامعة العراقية - كلية القانون والعلوم السياسية
المستخلص
يعد كتاب «عولمة السياسة العالمية: مقدمة في العلاقات الدولية» من أبرز المراجع الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، ويُقدَّم عادةً كمدخل أساسي لفهم التحولات الكبرى في النظام الدولي، له اكثر من طبعة مما يعكس أهميته واستمرارية تأثيره في دراسة حقل العلاقات الدولية وتطورها، ويهدف الكتاب إلى تزويد القارئ بفهم شامل للعلاقات الدولية من خلال عرضٍ متوازن بين الجوانب النظرية والتطبيقية، اذ لا يقتصر الكتاب على تناول النظريات الكبرى مثل الواقعية، الليبرالية، الماركسية، البنائية، النسوية، وما بعد الاستعمار، بل يربطها ارتباطًا وثيقًا بالقضايا العالمية المعاصرة، مقدّمًا تطبيقات عملية توضّح كيفية توظيف هذه النظريات في تحليل الأحداث الدولية والسياسات العالمية لتوفير المواد اللازمة لتطوير فهم ملموس للقضايا الرئيسية التي تحدد السياسة العالمية اليوم.
تاريخ النشر ورقيا: ٢٥كانون الثاني ٢٠٢٦
متوفر على الموقع الالكتروني: ٢٥كانون الثاني ٢٠٢٦
ترميز DOI:
https://doi.org/10.61279/6p89d568
متوفر على:
المجلة تعمل بنظام التحكيم المجهول لكل من الباحث والمحكمين
هذا البحث مفتوح الوصول ويعمل وفق ضوابط (نسب المشاع الإبداعي)(نَسب المُصنَّف - غير تجاري - منع الاشتقاق ٤.٠ دولي)
حقوق الطباعة محفوظة لدى مجلة كلية القانون والعلوم السياسية في الجامعة العراقية
حقوق الملكية الفكرية محفوظة للمؤلف
حقوق النشر محفوظة للناشر (كلية القانون والعلوم السياسية - الجامعة العراقية)
المجلة مؤرشفة في مستوعب المجلات العراقية المفتوحة
للمزيد من المعلومات مراجعة الموقع الالكتروني
__________________________________________________
Issue 31
Year 2026
The Globalization of World Politics: An Introduction to International Relations»
“Eighth edition”
Edited by: John Bayliss, Patricia Owens, and Steve Smith.
Reveiwed by: Saja Adel Ali*
(*) AL- Iraqia University _ College of law and political sciences
The book "Globalization of World Politics: An Introduction to International Relations" is one of the most prominent academic references in the field of international relations. It is usually presented as an essential introduction to understanding major transformations in the international system. It has multiple editions, reflecting its importance and continued influence on the study and development of the field of international relations. The book aims to provide the reader with a comprehensive understanding of international relations through a balanced presentation of theoretical and applied aspects. It does not limit itself to addressing major theories such as realism, liberalism, Marxism, constructivism, feminism, and postcolonialism, but rather connects them closely to contemporary global issues, offering practical applications that illustrate how these theories can be employed in analyzing international events and global politics. This provides the necessary material for developing a concrete understanding of the key issues that define global politics today. The book demonstrates how international relations today have become a complex network of interactions that extend beyond states to include international organizations, multinational corporations, social movements, global civil society, and even individuals who have become political actors in some transnational issues. It views these actors as pivotal players in global politics. Globalization has fundamentally transformed the nature of global politics, redefining central concepts such as sovereignty, power, identity, and security, and driving increased economic, technological, and cultural interdependence across the globe.
International System, International Relations Theories, Political Globalization
published 25/1/2026 ; published online: 25/1/2026
DOI: https://doi.org/10.61279/6p89d568
Available online at:
https://jlps.edu.iq/index.php/jlps/ar/article/view/580
Online archived copy can be found at: https://iasj.rdd.edu.iq/journals/journal/issue/19498
Indexed by:
DOIJ: https://doaj.org/toc/2664-4088
CROSSREF doi: prefix 10.61279
This article has been reviewed under the journal’s double-blind peer review policy.
This article is open access and licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivatives 4.0 International License (CC BY-NC-ND 4.0).
Printing rights are reserved to the (Journal of the College of Law and Political Science) - Aliraqia University
Intellectual property rights are reserved to the author Copyright reserved to the publisher (College of Law and Political Science - Aliraqia University)
For more information, visit jlps.edu.iq
__________________________________________________
أولا: تمهيد
يعد كتاب «عولمة
السياسة العالمية: مقدمة في العلاقات الدولية» من أبرز المراجع الأكاديمية في حقل
العلاقات الدولية، ويُقدَّم عادةً كمدخل أساسي لفهم التحولات الكبرى في النظام
الدولي، له اكثر من طبعة مما يعكس أهميته واستمرارية تأثيره في دراسة حقل العلاقات
الدولية وتطورها، ويهدف الكتاب إلى تزويد القارئ بفهم شامل للعلاقات الدولية من
خلال عرضٍ متوازن بين الجوانب النظرية والتطبيقية، اذ لا يقتصر الكتاب على تناول
النظريات الكبرى مثل الواقعية، الليبرالية، الماركسية، البنائية، النسوية، وما بعد
الاستعمار، بل يربطها ارتباطًا وثيقًا بالقضايا العالمية المعاصرة، مقدّمًا
تطبيقات عملية توضّح كيفية توظيف هذه النظريات في تحليل الأحداث الدولية والسياسات
العالمية لتوفير المواد اللازمة لتطوير فهم ملموس للقضايا الرئيسية التي تحدد
السياسة العالمية اليوم.
ويُظهر الكتاب كيف
أصبحت العلاقات الدولية اليوم شبكة معقّدة من التفاعلات لا تقتصر على الدول فقط،
بل تشمل أيضًا المنظمات الدولية، والشركات متعددة الجنسيات، والحركات الاجتماعية،
والمجتمع المدني العالمي، وحتى الأفراد الذين باتوا فاعلين سياسيين في بعض القضايا
العابرة للحدود، من خلال النظر اليهم كجهات فاعلة ومحورية في السياسة العالمية،
فالعولمة، أحدثت تحولًا جذريًا في طبيعة السياسة العالمية، إذ أعادت تعريف مفاهيم
مركزية مثل السيادة، القوة، الهوية، والأمن، ودفعت نحو تزايد الترابط الاقتصادي
والتكنولوجي والثقافي بين مختلف مناطق العالم.
يركّز الكتاب على
أن هذا الترابط العالمي غير المسبوق جعل التحديات المعاصرة ـ مثل الأمن الدولي،
التغير المناخي، حقوق الإنسان، الفقر، والهجرة ـ قضايا عالمية تتجاوز قدرة الدولة
الواحدة على مواجهتها بمفردها، مما يتطلب فهماً أعمق لبنية النظام الدولي ومؤسساته
وآلياته التعاونية.
وبناء على ماسبق،
يُعد هذا الكتاب دليلاً فكريًا وتحليليًا لفهم السياسة العالمية في عصر العولمة،
فهو يجمع بين العرض النظري العميق والتحليل الواقعي، ويسعى إلى تمكين القارئ من
إدراك كيفية تغيّر أنماط القوة والعلاقات بين الفاعلين الدوليين في عالم تتقاطع
فيه السياسة بالاقتصاد، والثقافة بالأمن، والهويات الوطنية بالعولمة الكونية من
خلال ثلاث اهداف رئيسية:
تقديم
نظرة عامة على السياسة العالمية في عصر العولمة.
تقديم
ملخص عن المناهج الرئيسية لفهم السياسة العالمية المعاصرة.
توفير
المراجع اللازمة لتقديم فهم ملموس للقضايا الرئيسية التي تهم السياسة العالمية.
ثانيا: معلومات
الكتاب
عنوان الكتاب:
«عولمة السياسة العالمية: مقدمة في العلاقات الدولية «
«The Globalization of World Politics: An Introduction to International
Relations»
‘Eighth edition’
المؤلفون: مجموعة
من الباحثين في حقل العلاقات الدولية
المحررون: جون
بيليس، باتريسيا أوينز، ستيف سميث.
الناشر: مطبعة
جامعة اوكسفورد
مكان النشر:
أكسفورد، المملكة المتحدة
سنة النشر: 2020
اول طبعة: 1997
عدد الصفحات:648
ثالثا: معلومات عن
المحررين
جون بايليس: يُعدّ
جون بايليس أحد أبرز الأكاديميين البريطانيين في حقل العلاقات الدولية، وأستاذًا
فخريًا في جامعة سوانزي بالمملكة المتحدة، وقد أسهم بشكل واسع في تطوير دراسة
الأمن الدولي والسياسة العالمية. تتركز اهتماماته البحثية حول نظريات العلاقات
الدولية، والدراسات الإستراتيجية، والعلاقات الأطلسية، والسياسة الدفاعية
البريطانية، وهو من أبرز من تناولوا مفهوم الأمن الدولي بصورته الواسعة التي تشمل
الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والإنسانية. من أشهر مؤلفاته كتاب “عولمة
السياسة العالمية: مقدمة في العلاقات الدولية” الذي يُعد من أكثر الكتب تأثيرًا في
تدريس هذا التخصص عالميًا، فضلًا عن مؤلفاته الأخرى مثل “صنّاع الإستراتيجية
النووية” والإستراتيجية في العالم المعاصر»، جمع بايليس في أعماله بين النظرية
والممارسة، مما جعله مرجعًا أكاديميًا رئيسيًا في فهم التحولات الإستراتيجية
والأمنية في النظام الدولي.
باتريسيا أوينز (Patricia Owens): هي أكاديمية
بريطانية في مجال العلاقات الدولية، تُعرف بإسهاماتها الفكرية في النظرية السياسية
والنظرية النسوية ودراسات الحرب. تشغل منصب أستاذة في جامعة أكسفورد، وتركز
أبحاثها على العلاقة بين السياسة والعنف، ودور النساء والجوانب الاجتماعية في
النزاعات الدولية. من أبرز أعمالها كتاب “Economy of Force:
Counterinsurgency and the Historical Rise of the Social”
الذي يناقش جذور التفكير الاجتماعي في السياسة العالمية، تمتاز أعمالها بمقاربات
نقدية تسعى إلى إعادة النظر في المفاهيم التقليدية للسلطة، والسيادة، والحرب من
منظور اجتماعي وإنساني.
ستيف سميث:
أكاديمي بريطاني بارز في مجال العلاقات الدولية، يُعد أحد أبرز منظّري هذا الحقل
في العالم المعاصر.
شغل منصب نائب رئيس جامعة إكستر (University of Exeter) في المملكة
المتحدة، وله إسهامات كبيرة في تطوير دراسة نظريات العلاقات الدولية، خاصة في
مجالات النظرية الليبرالية والبنائية والنقاشات بين المدارس النظرية الكبرى، ركّزت
أعماله على قضايا مثل القوة، والهوية، والأمن، وطبيعة المعرفة في العلاقات
الدولية، كما ساهم في النقاشات الفلسفية حول الطابع العلمي لهذا التخصص.
رابعا: الملخص
يتكون الكتاب من
خمسة أجزاء موزعة على 32فصل وهي كالاتي:
في الجزء الأول من
الكتاب يتم تقديم نظرة شاملة على السياسة العالمية في عصر العولمة التي أصبحت
ظاهرة شاملة ومتعددة الابعاد تمتد في اثارها الى مختلف مجالات الحياة المعاصرة مما
جعلها سمة مؤسسية للحياة الحديثة، خاصة في الدول المتقدمة، فالسمات الرئيسية
للسياسة العالمية المعاصرة اختلفت عن تلك التي كانت في الماضي مما يستدعي البحث في
الطرق الرئيسية التي يتم بها شرح السياسة العالمية فقد اضحى النظام بنية مؤسسية متعددة المستويات لم يعد تأثيرها
مقتصرا على المجال الخارجي بل امتد الى داخل الدول عبر دمج المعايير والقوانين
الدولية في التشريعات والسياسات الوطنية، الامر الذي خلق تفاعلا معقدا ودينامكيا
مابين السيادة الوطنية والاعتماد المتبادل العالمي الذي يقوم على إدارة المخاطر
المشتركة وتعدد مستويات السلطة.
يشرح الجزء الأول
من الكتاب كيف ان العولمة قد خلقت اليوم عالما يقوم على ترابط نظامي شديد التعقيد
والتركيب جعل من الصعب الفصل مابين الازمات المحلية والعالمية ((مجتمع المخاطر العالمي))
الذي تتجاوز فية الاخطار الحدود الوطنية لتشمل البشرية جميعها، سواء كانت أوبئة
صحية، تحديات مناخية، او تهديدات الكترونية.
اما بالنسبة الى
الجزء الثاني يتم تقديم سياق تاريخيً لمسار العلاقات الدولية من خلال هدفان
رئيسيان:
الأول: يشمل
التعريف أهم جوانب التاريخ الدولي، من خلال إعطاء نظرة عامة على صعود النظام
الدولي الحديث نفسه، عبر تقديم فهم أساسي للتطورات الرئيسية في تاريخ السياسة
العالمية، بالإضافة إلى طرح نوع من السياق للتفكير في الفترة المعاصرة من تاريخ
العالم. ثم يتبع ذلك البحث في الموضوعات الرئيسية لتاريخ القرن العشرين وحتى نهاية
الحرب الباردة.
الثاني: لفت
الانتباه إلى المواضيع الرئيسية للتاريخ الدولي من اجل تطوير فهم أعمق للهياكل والقضايا - النظرية
والتجريبية - التي يتم تناولها في الأجزاء الثلاثة المتبقية من هذا الكتاب.
بينما يبحث الجزء
الثالث من الكاتب في النظريات الرئيسية التي تحاول تفسير السياسة العالمية، لفهم
الادعاءات الأساسية للنظريات الأكثر تأثيرًا في تفسير السياسة العالمية، من خلال
ادراج فصولًا حول وجهات النظر النظرية الرئيسية حول السياسة العالمية: الليبرالية،
والواقعية، والماركسية، والبنائية الاجتماعية، وما بعد البنيوية، وما بعد
الاستعمار.
وقد شهد معظم
تاريخ نظرية العلاقات الدولية في الأوساط الأكاديمية نزاعًا بين المتنافسين
الواقعيين والليبراليين والماركسيين، وكان الجدل بين الواقعية والليبرالية هو
الجدال الأقدم والأكثر تطورًا. كما يبحث هذا الجزء في البنائية الاجتماعية كونها
نهج متزايد الأهمية. بالإضافة الى ذلك يقدم هذا الجزء أطر لنظريات أخرى في السياسة
العالمية، من خلال التركيز في فصول على المناهج النسوية، وما بعد البنيوية، وما
بعد الاستعمارية في النظرية الدولية. ونظرًا للأهمية المتزايدة للمناهج
المعيارية في السياسة العالمية، يُختتم
هذا الجزء من الكتاب بفصل عن الأخلاقيات الدولية يُفسّر السياسة العالمية المعاصرة
من خلاله عبر سلسلة من الأسئلة الأخلاقية المهمة، مثل مدى صحة شنّ الحرب من
الناحية الأخلاقية، ومدى التزامات الدول الغنية تجاه الدول الفقيرة.
في الجزء الرابع
من الكتاب، يتم التعريف بالهياكل والعمليات الأساسية الرئيسية في السياسة العالمية
المعاصرة. الى جانب كيفية ممارسة السياسة وإدارتها على المستوى الدولي، مع ربط
النظرية بالتطبيق العملي، لذا فأن أهمية هذا الجزء من الكتاب تبرز من خلال تقديم إطارًا
لفهم تفاعل الدول والمنظمات والأفكار ضمن النظام العالمي، وكيف تؤثر هذه الهياكل
والعمليات على القضايا المعاصرة، مما يمكّن من تحليل السياسة العالمية بطريقة
شاملة ومنظمة، ويتكامل هذا الجزء مع الجزء الخامس من الكتاب من خلال تقديم نظرة
عامة على بعض أهم الهياكل والعمليات في السياسة العالمية في بداية القرن الحادي
والعشرين عبر تقديم أساسا شاملا لدراسة القضايا الدولية المعاصرة.
اما الجزء الخامس
وهو الجزء الأخير من الكتاب فهو يناقش المشكلات الأكثر أهمية التي تظهر في عناوين
وسائل الإعلام، والتي تؤثر، بشكل مباشر وغير مباشر في العولمة، وتتخذ عددًا من
الأشكال المختلفة. بعضها، مثل البيئة والانتشار النووي، يشكل مخاطر كارثة عالمية.
والبعض الآخر، مثل القومية والتدخل الإنساني، وقضايا أخرى، مثل اللاجئين والهجرة
القسرية، والإرهاب، والتجارة العالمية والمالية العالمية، وحقوق الإنسان، والأمن
البشري، والفقر، والتنمية، والجوع، التي تتشابك بشكل أساسي مع العولمة.
وعبر طرح هذه المشاكل فان هذا الجزء يعالج أسئلة
حول ماهي طبيعة العولمة. هل هي جديدة؟ هل هي مفيدة؟ هل هي أمر لا مفر منه؟ هل تخدم
مصالح محددة؟ هل تجعل التعامل مع المشكلات التي يغطيها هذا الجزء من الكتاب أكثر
أو أقل سهولة؟ ويرى البعض ان العولمة قد خلقت فرصًا لمزيد من التعاون بسبب
العولمة، بينما يرى آخرون مخاطر زيادة مستويات الصراع في أوائل القرن الحادي
والعشرين.
خامسا: محتوى
الكتاب
العلاقات الدولية
في عصر العولمة
أن العولمة
المعاصرة قد خلقت عالمًا يقوم على ترابط نظامي شديد التعقيد، بحيث لم يعد بالإمكان
الفصل بين الأزمات المحلية والعالمية. فالتشابك بين الأنظمة الاقتصادية والبيئية
والتكنولوجية جعل من العالم وحدة مترابطة، حيث يمكن لحادث اقتصادي محدود أن يتحول
إلى أزمة مالية عالمية تهدد الاستقرار الدولي. وقد أدى هذا الواقع إلى اتساع نطاق
الحوكمة العالمية، من خلال ظهور مؤسسات وآليات تنظيمية عابرة للحدود مثل مجموعة
العشرين، ومنظمة التجارة العالمية، ومؤتمرات المناخ، التي تسعى إلى إدارة المخاطر
وتنظيم التفاعلات الدولية. ورغم أن هذا النظام لا يشكّل “حكومة عالمية”، إلا أنه
يمثل بنية مؤسسية متعددة المستويات ساهمت في تنظيم العولمة وتخفيف آثارها السلبية.
كما أن نفوذ هذه الحوكمة العالمية لم يعد مقتصرًا على المجال الخارجي، بل امتد إلى
داخل الدول عبر دمج المعايير والقوانين الدولية في التشريعات والسياسات الوطنية،
مما أوجد تفاعلاً معقدًا بين السيادة الوطنية والاعتماد المتبادل العالمي.
وعليه، ان تحوّل
النظام الدولي من نموذج السيادة المنفصلة إلى نظام عالمي متشابك يقوم على إدارة
المخاطر المشتركة وتعدد مستويات السلطة، وهو ما يعيد تعريف مفاهيم الأمن والتنمية
في القرن الحادي والعشرين. ومن خلال
السعي إلى تأطير دراسة العلاقات الدولية
ضمن رؤية تاريخية شاملة، يتم البحث في جذور النظام الدولي المعاصر والعولمة
الممتدة منذ القرن السابع عشر الى وقتنا الحاضر. فقد أطلقت مرحلة جديدة من
التحولات والتحديات المعقدة في النظام الدولي. فبينما انهارت التهديدات التقليدية
التي شكلت ملامح القرن العشرين، برزت تهديدات جديدة أكثر تنوعًا، سواء اقتصادية أو
سياسية أو أيديولوجية. وعلى الرغم من صعود قوى دولية جديدة مثل الصين وروسيا، فإن
الغرب – وفي مقدمته الولايات المتحدة – لا يزال يحتفظ بمكانة مهيمنة بفضل قوته
الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، إضافةً إلى نفوذه الثقافي والمؤسسي العالمي.
ب.السياق التاريخي
يركز السياق
التاريخي على التحولات الكبرى التي أدت إلى نشوء النظام الدولي، بدءًا من الأنظمة
القديمة مرورًا بصلح وستفاليا (1648) وصولًا إلى القرن التاسع عشر وما نتج عنه من
ثورات صناعية وإمبريالية، وذلك لتقديم الخلفية التاريخية التي تمكننا من فهم تطور
العلاقات الدولية والنظام الدولي الحديث، من خلال السعي الى تأطير دراسة العلاقات
الدولية ضمن رؤية تاريخية شاملة، توضح أن فهم النظام الدولي المعاصر والعولمة لا
يمكن أن يتم بمعزل عن جذوره التاريخية الممتدة منذ القرن السابع عشرعبر اعتماد
منهجًا تاريخيًا تحليليًا يربط بين الأحداث التاريخية والبنى النظرية للعلاقات
الدولية، اذ يتم استخدام التاريخ كأداة تفسيرية لفهم الأنماط الحالية في السياسة العالمية.
اذ تبرزأهمية
السياق التاريخي في دراسة العلاقات الدولية، باعتباره أساسًا لفهم قضايا مثل
القوة، الهيمنة، وعدم المساواة بين الدول، فهو يشير إلى أن النظام الدولي الحديث
لم ينشأ فجأة، بل هو نتاج تراكمي لعوامل اقتصادية (التجارة، التصنيع)، وتقنية
(النقل والاتصالات)، وفكرية (الأفكار الليبرالية والاستعمارية).
يعرف النظام
الدولي على انه «ممارسات منظمة للتبادل بين وحدات سياسية منفصلة تعترف باستقلال
بعضها البعض»، الامر الذي خلق العديد من الأنظمة الدولية عبر تاريخ العالم، وخلال
القرنين الماضيين شهد تحولًا كبيرًا أتاحته الإمبريالية، وظهور التصنيع، والدول
العقلانية. وقد دفعت هذه الديناميكيات إلى تغييرات بعيدة المدى في كيفية تنظيم
النظام الدولي وفهمه. كما أنها عمقت درجات الترابط وعدم المساواة إلى مستويات غير
مسبوقة في تاريخ العالم.
ت. نظريات السياسة
العالمية
ان فهم التطورات
التي شهدها النظام الدولي خلال القرن العشرين(1900-1999)م، تتميز بكونها حقبة مرت
بتحولات عميقة في بنية القوة العالمية وطبيعة الصراع الدولي، فالتحدي الأبرز يتمثل
في التراجع الداخلي للقيم الليبرالية داخل المجتمعات الغربية ذاتها، فعلى الرغم من
نجاح الليبرالية في تأسيس الديمقراطيات والمؤسسات، فإن تطبيق قيمها على المستوى
الدولي لا يزال محدودًا، فالعلاقات الدولية مليئة بالصراعات، الامر الذي يجعل
تحقيق العدالة والسلام بشكل كامل تحديًا دائمًا، مما يثبت ان الأممية الليبرالية
لم تُهزم، بل تحتاج إلى نشاط مستمر وإصلاح المؤسسات الدولية، فالأفكار الليبرالية
يمكن أن تشكل السياسة الدولية عبر المؤسسات والقوانين، وليس فقط عبر القوة
العسكرية، مما يعكس تحوّلًا عميقًا في المشهد السياسي والفكري العالمي. لذا فإن
العالم المعاصر يقف أمام نظام دولي غير مستقر ومتعدد الأقطاب، تتداخل فيه مظاهر
القوة والتراجع، مما يجعل فهم السياسة العالمية أكثر تعقيدًا من أي وقت، فالسياسة
الدولية تمتاز بطبيعتها التي تتسم بالصراع وعدم الاستقرار وهو ما يتعارض مع قيم
الاعتدال والسلام الليبرالية.
فالصراع بين الدول
وحرب المصالح يشكلان الحالة الطبيعية للنظام الدولي، وأن الدولة تظل الفاعل
الأساسي الذي يسعى للبقاء وتحقيق مصالحه، من خلال التأكيد على أهمية القوة
والمصلحة الذاتية، وتوازن القوى، والتحالفات في توجيه سلوك الدول، مما يشكل نقدًا
للمثالية التي بالغت في التفاؤل بإمكانية التعاون العالمي. ورغم صعود العولمة
والترابط الدولي، تظل القومية والمصالح الوطنية محددات رئيسية للسياسة العالمية
وهو الاتجاه الذي مثلته النظرية الواقعية، الامر الذي يجعل القرن العشرين محفوفًا
بالتحديات ويستدعي حكمة قادة الدول في إدارة مصالحهم ضمن عالم متشابك ومتعدد
القوى.
لذا جاءت النظرية
الماركسية كردّ نقدي على الواقعية والليبرالية التي تجاهلتا البعد الاقتصادي
والطبقي في النظام الدولي، فعلى الرغم من انهيار الشيوعية في أواخر الثمانينيات،
أصبحت الأدوات التحليلية حيوية لفهم أزمات الرأسمالية المعاصرة، مثل التفاوت
الاقتصادي، الاستغلال البيئي، والتحكم الكبير للشركات العالمية في السلوك
الاستهلاكي، فالمنهج الماركسي يولي أهمية كبيرة لتحليل الطبقات الاجتماعية
والهياكل الاقتصادية العالمية، وليس للدول فقط، فالمظرية الماركسية ترى أن فهم
السياسة العالمية لا يكتمل إلا بالنظر إلى العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي
تشكل القاعدة التي تعمل فوقها الدول. فهي استمرار للتوجهات الطويلة الأمد
للرأسمالية، حيث كان ماركس وإنجلز يدركان منذ القرن التاسع عشر الأبعاد العالمية
للرأسمالية والتأثير الاجتماعي والاقتصادي المترتب عليها.
وفي الثمانينات من
القرن العشرين برزت النظرية البنيوية كأحدى ابرز النظريات في العلاقات الدولية
متأثرة بالنظريات الفلسفية والاجتماعية التي ازدهرت في أوروبا منذ السبعينات،
وتتحدى هذه المقاربة الأسس المعرفية للمدارس التقليدية مثل الواقعية والليبرالية،
إذ ترى أن المفاهيم المركزية في السياسة العالمية – كالدولة، والسيادة، والأمن،
والتهديد – ليست حقائق طبيعية أو موضوعية، بل هي بناءات خطابية تتشكل عبر اللغة
والممارسات الثقافية والسياسية،
فالبنيويين يركزون على أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير عن الواقع، بل وسيلة
لإنتاجه؛ فهي التي تمنح الأشياء معانيها وتُحدّد ما يمكن التفكير فيه أو تجاهله.
ومن ثمّ، فإن الهوية القومية، ومفهوم العدو، أو فكرة الأمن القومي، جميعها نتاج
خطابات سياسية وثقافية تعيد إنتاج نفسها عبر الزمن. وبهذا المعنى، فإن مركزية
الدولة في العلاقات الدولية ليست حتمية، بل نتيجة لممارسات أكاديمية وسياسية جعلت
من الدولة الإطار الأساسي لفهم المجتمع السياسي.
وعلى الرغم من ان البنيوية لم تقدّم حلولًا عملية
للمشاكل العالمية، الا انها تمتلك قيمة نقدية كبرى تتمثل في تفكيك المسلّمات
السائدة، وكشف علاقات القوة الكامنة وراء مفاهيم تبدو بديهية كالسيادة أو الأمن أو
التنمية. كما إنها تدعو إلى التفكير في كيف يُبنى العالم سياسيًا ولغويًا، لا في
ما هو عليه فحسب. ومن ثمّ، فإن إسهامها الرئيس يتمثل في إحداث وعي نقدي تجاه اللغة
والخطاب بوصفهما أدوات للسلطة والمعرفة في السياسة العالمية.
بينما ركزت
النظرية البنائية حول فكرة أن العالم
الاجتماعي “مُصنَع” ومبني عبر التفاعل البشري، والمعاني، والمعايير، والأفكار، لا
فقط عبر القوى المادية أو المصالح الاقتصادية والعسكرية، فقد جاءت كردٍّ على العجز
التفسيري للنظريات المادية التقليدية كالواقعية والليبرالية.
وبعد نهاية الحرب
الباردة بدأت تظهر نظريات جديدة وأدوات تحليلية تسمح بدراسة الهوية واللغة
والثقافة والصراعات المتعلقة بالنوع الاجتماعي، لذا بزرت نظريات تركز على النوع
الاجتماعي كفئة تحليلية مركزية، وليس مجرد فئة وصفية، من أجل فهم تأثيرات القوة
والتمييز بين الجنسين على العلاقات الدولية، بما يشمل الحوكمة، الحرب، الاقتصاد
السياسي، والقانون الدولي، فهذه النظريات كالنسوية ليست مجرد قضية حقوق إنسان
عامة، بل تهتم بشكل خاص بتجربة النساء واستبعادهن التاريخي من السياسة والمؤسسات،
مما جعلها تأخذ شكلاً أكاديميًا وجمع بيانات موثقة منذ عقد الأمم المتحدة للمرأة
(1975-1985)، فالنسوية في العلاقات الدولية ليست مجرد منظور فرعي، بل أداة تحليلية
أساسية لفهم السياسة العالمية، من حيث القوة، النوع الاجتماعي، والممارسات
المؤسسية، وتساهم في تطوير فهم أعمق وأكثر عدالة للعلاقات الدولية.
وبناء على ماسبق من
النظريات جاءت مناهج مابعد الاستعمار وما بعد الاستعمار لتقديم رؤية نقدية
للعلاقات الدولية لتركز على استعادة الدور المحوري للإمبراطورية والاستعمار في
تشكيل السياسة العالمية، وتُبرز هذه المناهج محدودية النظريات التقليدية مثل
الواقعية والليبرالية، التي تميل إلى تجاهل تاريخ الهيمنة الغربية ومسائل العرق
والعنصرية، وتفترض طبيعة عالمية موحدة للدول ذات السيادة. ومن خلال إعادة التركيز
على التجارب التاريخية لإنهاء الاستعمار.
وتكشف هذه المناهج
عن التسلسلات الهرمية المستمرة التي تحدد العلاقات بين الدول، وتطرح رؤى بديلة
لفهم قضايا مثل السيادة، التنمية، الحرب، والقانون الدولي. كما تضع هذه المناهج
الاعتبارات الأخلاقية في تحليلها، ساعيةً إلى تعزيز نظام عالمي أكثر عدالة
ومساواة. ومع ذلك، تواجه هذه المناهج تحديًا في تفسير كيفية تأثير التحولات
الجيوسياسية الحديثة على النضالات السابقة ضد الاستعمار، ما يجعلها أداة ديناميكية
لفهم السياسة العالمية بطريقة متعددة الطبقات، تجمع بين التاريخ، النقد النظري،
والمبادئ الأخلاقية.
ث. الهياكل
والعمليات
يتم الانتقال هنا
من النظريات والتوجهات الفكرية إلى التحليل البنيوي والعملي للسياسة العالمية، اذ
يتم طرح مجموعة من الأسئلة مثل:
كيف
نفسر العلاقات الدولية؟
ممن
تتكوّن هذه العلاقات؟
ماهي
القوى والهياكل التي تضمن استمراريتها أو تغيّرهاا؟
اذ يتم البحث نحو
تحديد الإطار البنيوي والمؤسسي الذي تُمارَس ضمنه السياسة العالمية في القرن
الحادي والعشرين، فهذه الهياكل النظام الدولي نفسه، مؤسسات الحوكمة العالمية (مثل
الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي)، التوزيع الاقتصادي العالمي، والترتيبات
الأمنية، وبالرغم من ان هذه الهياكل ليست ثابتة تماماً، لكنها تُعدّ المرجع الذي
تُقاس عليه التحولات السياسية فهي تعد بمثابة سمات مستقرة نسيبا تحدد توزيع القوة
والسلطة والتاثير.
اما بالنسبة الى
العمليات فهي الديناميات المستمرة التي تجري داخل الهياكل، وتُعيد إنتاجها أو
تُغيّرها، مثل: التعاون الدولي، الصراع، العولمة الاقتصادية، التغير المناخي،
الهجرة، وتدفق المعلومات.، التي تُظهِر كيف تتحول الهياكل بمرور الزمن أو كيف
تُقاوَم من الداخل. اذ ان فهم السياسة العالمية يتطلب التوازن بين الثبات البنيوي
والحركة التفاعلية عبر تبني منظور تركيبي يرى بان الهياكل تقيد السلوك السياسي
لكنها ليست حتمية ومابين العمليات التي تسمح بالتغيير لكن عملها يكون ضمن حدود
الهياكل.
ج. القضايا
الدولية
يتم تقديم لمحة
عامة عن القضايا الرئيسية في السياسة العالمية المعاصرة من خلال البحث في المشكلات
الأكثر أهمية التي تتكرر، والتي تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر، على الحياة البشرية،
وهذه القضايا تشكل جوهر العولمة، وتتخذ عددًا من الأشكال المختلفة مثل: البيئة
والانتشار النووي، الذي يشكل مخاطر كارثة عالمية. والبعض الآخر، مثل القومية
والتدخل الإنساني، اللاجئين والهجرة القسرية، والإرهاب، والتجارة العالمية
والمالية العالمية، وحقوق الإنسان، والأمن البشري، والفقر، والتنمية، والجوع،
متشابكة بشكل أساسي مع العولمة. وعبر مناقشة هذه القضايا يتم طرح مجموعة من
الأسئلة حول طبيعة العولمة ابرزها:
هل
هي جديدة؟
هل
هي مفيدة؟
هل
هي أمر لا مفر منه؟
هل
تخدم مصالح محددة؟
هل
تجعل التعامل مع المشكلات التي يغطيها هذا الجزء من الكتاب أكثر أو أقل سهولة؟
هل
خلقت العولمة فرصًا لمزيد من التعاون؟
هل
تسببت العولمة في زيادة مستويات الصراع في أوائل القرن الحادي والعشرين؟
سادسا:
الاستنتاجات
اعادت العولمة
تعريف مفاهيم الامن والتنمية في القرن الحادي والعشرين عبر مناقشة تحديات ومشاكل
عالمية جديدة، فقد أسهمت في تحوّل النظام الدولي من نموذج السيادة المنفصلة إلى
نظام عالمي متشابك يقوم على إدارة المخاطر المشتركة وتعدد مستويات السلطة، وقد عكس
هذا التكامل من جهة قوة العولمة في تعزيز النمو والتبادل، لكنه يكشف من جهة أخرى
هشاشة النظام الاقتصادي العالمي واعتماده المفرط على التنسيق الدولي.
ان العولمة خلقت بيئة أمنية أكثر ترابطًا لكنها في الوقت نفسه اقل ثقة واكثر هشاشه، فمن اهم الفوارق التي
اوجدتها العولمة دولًا ذات أنظمة سياسية واقتصادية مختلفة، كالصين وروسيا والهند
التي أصبحت فاعلًا رئيسًا في حماية واستقرار النظام الرأسمالي العالمي. وفي الوقت
نفسه تمثل النظير للولايات المتحدة الامريكية.
ان العولمة تمثل عملية ديناميكية أعادت تشكيل
العلاقات الدولية والاقتصادية، وجعلت العالم أكثر ترابطًا وتداخلًا عبر خلق نظام
عالمي متشابك، لكنها في الوقت نفسه أوجدت تحديات جديدة تتطلب فهمًا نقديًا وإدارة
رشيدة لمخاطرها المستقبلية، اذ أوجدت تهديدات جديدة وغير تقليدية، مثل:الإرهاب
العالمي العابر للحدود، الحروب السيبرانية والهجمات الرقمية، الأزمات المالية
العالمية التي تؤثر على الاستقرار السياسي، التغير المناخي والكوارث البيئية،
تصاعد القومية وتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية.
ان فهم السياسة
العالمية في القرن الواحد والعشرين يعد اكثر تعقيدا من أي وقت مضى، فبينما انهارت
التهديدات التقليدية التي شكلت ملامح القرن العشرين، برزت تهديدات جديدة أكثر
تنوعًا، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو أيديولوجية. وعلى الرغم من صعود قوى
دولية جديدة مثل الصين وروسيا، فإن الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة الامريكية
ما يزال يحتفظ بمكانة مهيمنة بفضل قوته الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، إضافةً
إلى نفوذه الثقافي والمؤسسي العالمي، لذلك فإن التحدي الأبرز يتمثل اليوم في
التراجع الداخلي للقيم الليبرالية داخل المجتمعات الغربية ذاتها، مما يعكس تحوّلًا
عميقًا في المشهد السياسي والفكري العالمي، الامر الذي جعل العالم اليوم يقف أمام
نظام دولي غير مستقر ومتعدد الأقطاب، تتداخل فيه مظاهر القوة والتراجع.
النظام الليبرالي
الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية والمبني على التعاون، المؤسسات، والاقتصاد
الدولي قد شهد تدهورا واضحًا في القرن الحادي والعشرين، فعلى الرغم من التحولات
العالمية، لا تزال الدول الكبرى تتبنّى المنظور الواقعي للأمن الذي يركز على
المصالح الوطنية وتوازن القوى بدلاً من الأمن الجماعي، فالسياسة الدولية تمتاز
بطبيعتها التي تتسم بالصراع وعدم الاستقرار الامر الذي يحد من فاعلية التعاون
الدولي ويتعارض مع قيم الاعتدال والسلام الليبرالية.
أن الصراع بين
الدول وحرب المصالح يشكلان الحالة الطبيعية للنظام الدولي، وأن الدولة تظل الفاعل
الأساسي الذي يسعى للبقاء وتحقيق مصالحه. كما تؤكد الواقعية على أهمية القوة
والمصلحة الذاتية، وتوازن القوى، والتحالفات في توجيه سلوك الدول، نقدًا للمثالية
التي بالغت في التفاؤل بإمكانية تحقيق التعاون العالمي ، وهو ما يجعل القرن الحادي
والعشرين محفوفًا بالتحديات ويستدعي حكمة قادة الدول في إدارة مصالحهم ضمن عالم
متعدد القوى والمصالح.
أسهمت العولمة في
ظهور مفهوم “الأمن الإنساني” الذي يركّز على حماية الأفراد، فالأمن لم يعد قضية
مجرد عسكرية، بل أصبح قضية إنسانية وأخلاقية، وهذا التحول الأخلاقي يعكس وعيًا
متزايدًا بأن التهديدات الحقيقية للأمن في القرن الحادي والعشرين هي اجتماعية
واقتصادية أكثر من كونها عسكرية.
قبول أشكال جديدة
من الحوكمة العالمية والمراقبة المشتركة، اذ لم يعد بالإمكان فصل الأمن الداخلي عن
الأمن الدولي، فالأزمات الوطنية كثيرًا ما تتخذ أبعادًا عالمية والعكس صحيح.
اسهمت العولمة في
خلق نظام دولي يعيش مزيجا من التكامل الاقتصادي والانقسام الجيوسياسي عبر خلق
ابعاد اقتصادية وتكنولوجية جديدة مثل الذكاء الاصطناعي وموارد الطاقة.
تفسيرالعلاقة
المتشابكة بين السياسة والاقتصاد بوصفها مفتاحًا لفهم التطورات العالمية المعاصرة،
مع التركيز على العولمة بشكل خاص، باعتبارها الظاهرة المركزية التي يسعى الاقتصاد
السياسي الدولي إلى تحليلها، مشيرًا إلى أن الظواهر الاقتصادية لم تعد تقتصر على
الدول بل تشمل أيضًا الفاعلين غير الحكوميين والشركات متعددة الجنسيات، ما يجعل
الطابع العالمي أكثر دقة من الطابع الدولي في وصف الواقع الاقتصادي.
ان الجندر هو بنية
قوة تؤثر في جميع مجالات الحياة الدولية – من الأمن والاقتصاد إلى الثقافة
والدبلوماسية. فالنوع الاجتماعي يُعد بعدًا أساسيًا في فهم العلاقات الدولية، إذ
يشكل السياسات، ويعيد إنتاج التفاوتات، ويؤثر في مفاهيم مثل الدولة، والقيادة،
والعنف، والعمل، وذلك من خلال التأكيد على ان
كل الظواهر السياسية العالمية لها بُعد جندري، وأن فهم هذه الأبعاد ضروري
لتحليل السياسات والممارسات الدولية بعمق. فالجندرية هي عنصر تفاعلي معقد يتقاطع
مع الطبقة، والعرق، والقومية، والسلطة، مما يجعله محورًا لا غنى عنه لفهم
الديناميات العالمية الحديثة.
ان تأثير القانون
الدولي على العلاقات الدولية يفتقر إلى سلطة مركزية، ويخدم الأقوياء، ومعقد لدرجة
تسمح بتبرير أي سلوك، ولا يواكب التحولات السريعة في الحروب والسياسة. في المقابل،
يؤكد المدافعون أن القانون الدولي يُنشئ الدول كجهات فاعلة شرعية، ويوفر مصدرًا
أساسيًا للشرعية الدولية، وأن معدلات الامتثال له مرتفعة، كما أن الدول حتى عند
انتهاكه تسعى دائمًا لتبرير سلوكها وفقًا له مما يعزز مكانتها، أي ان القانون
الدولي يلعب دورًا جوهريًا في تنظيم العلاقات الدولية وتشكيل السلوك الشرعي للدول،
وأن فعاليته تكمن في قدرته على الجمع بين القوة والمشروعية ضمن إطار مؤسسي عالمي
متغير.
أن المنظمات
الدولية، رغم قيودها البنيوية وافتقارها للمساواة بين الأعضاء، الا انها تظل أداة
مركزية في عصر الحوكمة العالمية المعاصرة، فهي تشارك في صياغة الأجندات الدولية،
ووضع القواعد، وتنسيق الجهود لمواجهة التحديات العابرة للحدود. غير أن فعاليتها
تواجه اليوم اختبارًا صعبًا في ظل صعود القومية وتراجع الثقة بالتعددية، فقد
أُنشئت الأمم المتحدة لتحقيق السلم والأمن الدوليين بعد الحرب العالمية الثانية،
لكنها واجهت منذ البداية توترًا دائمًا بين مبدأ سيادة الدول وتقاليد العالمية
التي تسعى لتحقيق المساواة والعدالة الدولية. ففي الوقت الذي تجسد مؤسساتها
(خصوصًا مجلس الأمن) توازنات القوى العظمى وحق النقض (الفيتو)، فإنها في الوقت
ذاته تحاول تمثيل مصالح جميع الدول والشعوب على حد سواء.
ان الأمم المتحدة
لاتزال فاعلًا محوريًا في النظام الدولي، لكنها تواجه تحديًا مزدوجًا تمثل في
الحفاظ على توازن القوى التقليدي مع الاستجابة لمطالب العدالة العالمية والتغيرات
السياسية المعاصرة.
أن المنظمات غير الحكومية
أصبحت فاعلًا أساسيًا إلى جانب الدول والمنظمات الحكومية الدولية، خصوصًا بعد
الحرب الباردة، بفضل انتشار الديمقراطية والتطور التكنولوجي والاتصال العالمي. فقد
اصبحت تشارك في مؤتمرات دولية كالأمم المتحدة وتساهم في تنفيذ السياسات التنموية
والإنسانية، وباتت الحكومات والمنظمات الدولية تعتمد عليها في تقديم المساعدات
وإدارة الأزمات.
الإقليمية ليست
نقيضًا للعولمة، بل مكملة لها وأداة للتكيف، اذ أصبحت الإقليمية من السمات البارزة
للنظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وتختلف في أشكالها ومستوياتها بين التعاون الإقليمي
والتكامل الإقليمي، وتعد التجربة الأوروبية (الاتحاد الأوروبي) هي النموذج الأعمق
والأكثر تطورًا.
ان العولمة عملية
معقدة ذات نتائج مزدوجة، فهي تخلق فرصًا وتحديات في الوقت نفسه، فالقضايا الدولية
المعاصرة تمثل جوهر العولمة وتشمل: البيئة، الإرهاب، الفقر، اللاجئين، حقوق
الإنسان وغيرها، وان دراسة هذه القضايا تهدف إلى فهم التحديات اليومية وتأثيرها
على حياة البشر.
العولمة أسهمت في
خلق أرباحًا هائلة لبعض الدول والأفراد، لكنها وسعت فجوة الدخل داخل الدول وبينها،
لا سيما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ولدى النساء والفتيات عالميًا، فعلى الرغم
من أن العولمة الاقتصادية ساهمت في زيادة التجارة والتدفقات المالية، إلا أن
النظام الدولي قد ظل ضعيفًا ومنقسمًا، مع شعور متزايد بعدم العدالة في توزيع
المكاسب الاقتصادية بين الأغنياء والفقراء، مما يجعل النظام العالمي الحالي للتجارة
والتمويل هشًا ومعرضًا للاضطراب والأزمات في أي لحظة.
أن العولمة لم تكن
السبب الرئيسي في ظهور الإرهاب، لكنها وسعت نطاقه من ظاهرة إقليمية إلى عالمية عبر
تسهيل وصول الجماعات الإرهابية إلى التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، مما
مكّنها من التنسيق ونقل المعلومات ونشر رسائلها وأيديولوجياتها إلى جهات وأماكن لم
تكن متاحة لها سابقًا. اي أن العولمة غيّرت نطاق الإرهاب العالمي وانتشاره لكنها
لم تعدل طبيعته الأساسية، وأن التحدي الأساسي أمام المجتمع الدولي يكمن في استثمار
مزاياه للتصدي للأفكار المتطرفة عبر تقديم بدائل واضحة وشرعية تُضعف العوامل التي
تحفز العنف الإرهابي الدولي المستمر.
يعتمد استقرار
العلاقات الدولية على شعور المواطنين بالانتماء إلى دولتهم، وأن الدول القومية تظل
الوحدة الأساسية للقوة في العالم الحديث، والعولمة لم تلغِ هذه الحقيقة بل فرضت
ضغوطًا على السيادة والهوية الوطنية، مما يجعل مبدأ تقرير المصير الوطني محورًا
دائمًا للتوتر بين الاستقرار والحقوق.